علي محمد علي دخيل

9

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

4 - ثم بين تعالى تمام صفة المتقين فقال : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ : يعني القرآن ، وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ : يعني الكتب المتقدمة ، وقوله : وَبِالْآخِرَةِ : أي بالدار الآخرة وإنما وصفت بالآخرة لتأخرها عن الدنيا ، كما سميت الدنيا دنيا لدنوها من الخلق وقيل : لدناءتها . هُمْ يُوقِنُونَ : يعلمون ، وسمي العلم يقينا لحصول القطع عليه ، وسكون النفس إليه . 5 - لما وصف المتقين بهذه الصفات بين ما لهم عنده تعالى فقال أولئك إشارة إلى الموصوفين بجميع الصفات المتقدمة وهم جملة المؤمنين ، عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ أي من دين ربهم وإنما قال : من ربهم لأن كل خير وهدى فمن اللّه تعالى ، ثم كرّر تفخيما فقال : وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي الظافرون بالبغية ، والباقون في الجنة . 6 - لما بين تعالى حال المؤمنين وصله بذكر الكافرين ، والكفر في الشرع عبارة عن جحد ما أوجب اللّه تعالى معرفته من توحيده وعدله ، ومعرفة نبيه ، وما جاء به من أركان الشرع ، فمن جحد شيئا من ذلك كان كافرا ، وهذه الآية تدل على صدق النبي ( ص ) لأنه أخبر بأنهم لا يؤمنون فكان كما أخبر . 7 - إنّ المراد بالختم العلامة ، وإذا انتهى الكافر من كفره إلى حالة يعلم اللّه تعالى أنه لا يؤمن فإنه يعلّم على قلبه علامة وقيل : هي نكتة سوداء تشاهدها الملائكة فيعلمون بها أنه لا يؤمن بعدها فيذمونه ويدعون عليه . 8 - بيّن اللّه تعالى حالهم فأخبر سبحانه أنهم يقولون : صدقنا باللّه وما أنزل على رسوله من ذكر البعث ، فيظهرون كلمة الإيمان وكان قصدهم أن يطلعوا على أسرار المسلمين فينقلوها إلى الكفار ، ثم نفى عنهم الإيمان فقال : وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ، وفي هذا تكذيبهم فيما أخبروا عن اعتقادهم من الإيمان . 9 - معنى قوله : يُخادِعُونَ اللَّهَ أي يعملون عمل المخادع ، لأن اللّه تعالى لا يصح أن يخادعه من يعرفه ويعلم أنه لا يخفى عليه خافية ، فمعنى يخادعون : يظهرون غير ما في نفوسهم وقوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا أي ويخادعون المؤمنين بقولهم إذا رأوهم قالوا : آمنا وهم غير مؤمنين ، ومعنى قوله : وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ إنهم وإن كانوا يخادعون المؤمنين في الظاهر فهم يخادعون أنفسهم لأنهم يظهرون لها بذلك أنهم يعطونها ما تمنت وهم يوردونها به العذاب الشديد ، فوبال خداعهم راجع إلى أنفسهم وَما يَشْعُرُونَ : أي ما يعلمون أنه يرجع عليهم بالعذاب ، فهم في الحقيقة إنما خدعوا أنفسهم . 10 - فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ المراد بالمرض في الآية الشك والنفاق بلا خلاف ، وإنما سمي الشك في الدين مرضا لأن المرض هو الخروج عن حد الاعتدال ، فالبدن ما لم تصبه آفة يكون صحيحا سويا وكذلك القلب ما لم تصبه آفة من الشك يكون صحيحا ، وقوله : فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً المراد : في قلوبهم حزن لنزول القرآن بفضائحهم ومخازيهم فزادهم اللّه مرضا بأن زاد في إظهار مقابحهم ومساويهم ، والاخبار عن خبث سرائرهم ، وسوء ضمائرهم ، وسمي الغم مرضا لأنه يضيّق الصدر كما يضيقه المرض ثم قال : وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وهو عذاب النار بِما كانُوا يَكْذِبُونَ أي بتكذيبهم اللّه ورسوله . 11 - 12 - المراد وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بعمل المعاصي ، وصدّ الناس عن الإيمان أو بممالأة الكفار ، فإن فيه توهين الإسلام ، وتغيير الملة وتحريف الكتاب قالُوا : إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ، إنهم جحدوا ذلك وقالوا : إنا لا نعمل بالمعاصي ، ولا نمالئ الكفار ، ولا نحرّف الكتاب ، وكان ذلك نفاقا منهم كما قالوا : آمَنَّا بِاللَّهِ ولم يؤمنوا ثم قال : أَلا إِنَّهُمْ أي اعلموا أن هؤلاء المنافقين